أبي منصور الماتريدي

410

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وفي بيان حكمة خلق الخلق في الدنيا للفناء ، والإحياء للآخرة - حكمة ، وفي إنكارها ذهاب الحكمة . وقوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ . قيل فيه بوجوه : قيل : استوى إلى الدخان ؛ كقوله : اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ فصلت : 11 ] . وقيل « 1 » : استوى : تمّ ؛ كقوله : بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى [ الأحقاف : 15 ] أي : تمّ . وقيل « 2 » : استوى : أي : استولى . والأصل عندنا في قوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ فصلت : 11 ] و اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الأعراف : 54 ] ، وغيرها من الآيات من قوله : وَجاءَ رَبُّكَ . . . الآية [ الفجر : 22 ] ، وقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ . . . الآية [ البقرة : 210 ] من الآيات التي ظنت المشبّهة « 3 » أن فيها تحقيق وصف الله تعالى بما يستحق كثير من الخلق الوصف به على

--> ( 1 ) قاله ابن جرير وأخرجه عن مجاهد بنحوه ( 27242 ، 27243 ، 27244 ) . ( 2 ) يأتي في تفسير سورة طه . ( 3 ) المشبهة : على صيغة اسم الفاعل من التشبيه ، وهو يطلق على فرقة من كبار الفرق الإسلامية ، شبهوا الله بالمخلوقات ومثلوه بالحادثات ، ولأجل ذلك جعلناهم فرقة واحدة قائلة بالتشبيه وإن اختلفوا في طرقه : فمنهم مشبهة غلاة الشيعة كالسبئية والبيانية والمغيرية والهشامية ، وغيرهم القائلين بالتجسيم والحركة والانتقال والحلول في الأجسام ونحو ذلك . ومنهم مشبهة الحشوية كمضر وكهمس المشبهة ، والهجيمي ، فقالوا : هو جسم لا كالأجسام ، وهو مركب من لحم ودم لا كاللحوم والدماء ، وله الأعضاء والجوارح ، وتجوز عليه الملامسة والمصافحة والمعانقة للمخلصين ، حتى نقل عن أحدهم أنه قال : « أعفونى عن اللحية والفرج وسلوني عما وراءه » . ومنهم مشبهة الكرامية ، وقيل فيه : الفقه فقه أبي حنيفة وحده ، والدين دين محمد بن كرام . وأقوالهم في التشبيه متعددة لا تنتهى ، فاقتصرنا على ما قاله زعيمهم ، وهو أن الله على العرش من جهة العلو مماس له من الصفحة العليا ، ويجوز عليه الحركة والنزول ، واختلفوا أيملأ العرش ، أم لا يملؤه بل يكون على بعضه ، وقال بعضهم : ليس هو على العرش بل محاذ له ، واختلفوا : أببعد متناه أو غيره . ومنهم من أطلق عليه لفظ الجسم ، ثم اختلفوا هل هو متناه من الجهات كلها أو من جهة التحت أو غير متناه في جميع الجهات ، وقالوا : تحل الحوادث في ذاته إنما يقدر عليها دون الخارجة عن ذاته ، ويجب على الله أن يكون أول خلقه حيا يصح منه الاستدلال . وقالوا : النبوة والرسالة صفتان قائمتان بذات الرسول سوى الوحي والمعجزة والعصمة وصاحب تلك الصفة رسول من غير إرسال ولا يجوز إرسال غيره ، وهو حينئذ ، أي حين إذ أرسل ، مرسل ، وكل مرسل رسول بلا عكس كلى ، ويجوز عزل المرسل دون الرسول وليس من الحكمة الاقتصار على إرسال رسول واحد ، وجوزوا إمامين في عصر كعلى ومعاوية إلا أن إمامة على على وفق السنة -